رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
292
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
المصائب - وإن كانت المصيبة أسره وقهره - لم تكسره ، بل كان على ما كان من قوّة القلب ، وسبّب اللَّه له أن يذهب عسره ، ويحصل عوضَه اليسر . وهذا الاستعمال - أعني إيصال الاستبدال إلى مفعول بوساطة الباء ، وإلى آخَرَ بلا واسطة ، على أنّ المراد بالأوّل مايعطى المستبدل ، وبالثاني ما يأخذ في العوض - لم يظفر به صاحب القاموس مع توسّعه في علم اللغة ، وما ذلك إلّامن جهة كونه غير موفّق لتتبّع الأخبار الثابتة عن أصحاب العصمة عليهم السلام الذين هم ملوك الكلام باتّفاق الخاصّ والعامّ ، وقد صدر هذا الاستعمال عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال في خطبة من خطب نهج البلاغة : واتّعظوا فيها - أي في الدنيا - بالذين قالوا : « مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً » « 1 » حُمِلوا إلى قبورهم فلا يُدعَون رُكباناً ، وانزلوا إلى أجداثهم ، فلا يُدعَون ضيفاناً ، وجُعِلَ لهم من الصفيح أجفانٌ ، ومن التراب أكفان ، ومن الرُّفات جيران ، فهم جِيرةٌ لا يُجيبون داعياً ولا يمنعون ضَيْماً ، ولا يبالون مَنْدَبَةً ، إن جيدوا لم يفرحوا ، وإن قُحطوا لم يقنطوا ، جميعٌ وهم آحاد ، وجيرةٌ وهم أبعاد ، متدانون لا يتزاورون ، وقريبون لا يتقاربون ، حُلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجُهلاء قد ماتت أحقادهم ، ولا يخشى فَجْعُهم ، ولا يُرجى دفعهم ، استبدلوا بظهر الأرض بطناً وبالسعة ضيقاً ، وبالأهل غربةً ، وبالنور ظلمةً » الحديث . « 2 » والغرض من إيراد شطر ممّا قبل الذي كلامنا فيه - أعني قوله عليه السلام : « استبدلوا بظهر الأرض بطناً » أن يظهر ظهوراً بيّناً تامّاً أنّ الاستبدال يصل إلى ما كان للمستبدل بواسطة الباء ، وإلى ما يحصل له مكان ذلك بلا واسطة . وكلام صاحب القاموس دالّ على أنّ مفعوله قد يذكر في بعض الاستعمال بالباء ، وفي بعضٍ آخر بلا واسطة الحرف مطلقاً ، ويُراد في كلا الاستعمالين أمرٌ واحد ، هو الذي يؤخذ منه بدلًا بلا تصريح ببدل خاصّ . قال : استبدله وبه : اتّخذ منه بدلًا . وعلى ما حقّقنا كان الصواب أن يقول : استبدل بفلان فلاناً ؛ أي اتّخذ الثاني بدلًا من
--> ( 1 ) . فصّلت ( 41 ) : 15 . ( 2 ) . نهج البلاغة ، ص 164 ، الخطبة 111 .